مقال: الأنصار في عهد الرسول: جيل الإيواء والنصرة والإيثار
يمثل مصطلح “الأنصار” أحد أرفع الأوسمة التي مُنحت في تاريخ الإسلام، وهو لقب أطلقه الله تعالى ورسوله على مجموعة من الصحابة الكرام الذين قاموا بأعظم الأدوار في نصرة الدعوة الإسلامية الفتية، حتى صاروا بفضل تضحياتهم جزءاً أصيلاً من عقيدة كل مسلم.
من هم الأنصار؟ الأصل والتسمية
الأنصار هم أهل يثرب (المدينة المنورة لاحقاً) الذين آمنوا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ونصروه وآووا إخوانهم المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم في مكة. وهم في الأصل ينتمون إلى قبيلتين عربيتين عظيمتين هما: الأوس والخزرج.
قبل الإسلام، كانت العلاقة بين الأوس والخزرج تتسم بالحروب الطويلة والعداوات المتجذرة، والتي كان آخرها يوم “بُعاث”. لكن نور الإسلام أشرق على قلوبهم، فذابت تلك الضغائن وتحولت العداوة إلى أخوة راسخة ومحبة خالصة.
ولم يكن لقب “الأنصار” مجرد تسمية عرفية، بل هو تزكية وتشريف إلهي، كما رُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سُئل: “أرأيت اسم الأنصار، كُنتم تُسمَّون به، أم سمّاكم الله؟” قال: “بل سمّانا الله عز وجل”. وهذا اللقب يحمل في طياته شرف الإيواء والنصرة لله ولدينه ولرسوله.
إقرأ أيضا:سنة وفاة الرسول
دورهم المحوري في بناء الدولة الإسلامية
كان دور الأنصار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا يُقدّر بثمن، فقد كانوا العمود الفقري الذي قامت عليه الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة:
- البيعة والنصرة (بيعات العقبة): سبق إيمانهم هجرة النبي، فقد بايعوه في بيعتي العقبة (الأولى والثانية)، وأقسموا على نصرته وحمايته مما يحمون منه أنفسهم وأبناءهم ونساءهم، وهي بيعة جريئة في وقت كانت العرب كلها ترمي عن قوس واحدة ضد الإسلام.
- الإيواء والمؤاخاة: عندما وصل المهاجرون إلى المدينة فقراء ومُتعَبين، فتح لهم الأنصار ديارهم وقلوبهم. وأعظم دليل على ذلك هو مشروع المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، حيث صارت رابطة الدين أقوى من رابطة الدم، فتقاسموا الأموال والمساكن والمزارع بكل كرم وسخاء.
- الإيثار العظيم: ضرب الأنصار أروع الأمثلة في الإيثار، حتى أثنى الله عليهم في كتابه بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9). وقد بلغ إيثارهم حدّاً أن عرض بعضهم على أخيه المهاجر أن يقاسمه ماله ونخله، بل ويعرض عليه أن يطلق إحدى زوجتيه ليتزوجها المهاجر، وهو نبل لم يعرف له التاريخ مثيلاً.
- الجهاد والفداء: شارك الأنصار في جميع غزوات ومعارك الإسلام، من بدر وأُحد والخندق، وكانوا درعاً حصيناً يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويضحون بأرواحهم في سبيل إعلاء كلمة الله.
إقرأ أيضا:متى ولد الرسول
مكانتهم في السنة النبوية
لم يقتصر فضل الأنصار على الآيات القرآنية، بل امتلأت السنة النبوية بأحاديث ترفع من شأنهم وتوجب محبتهم:
- حبه صلى الله عليه وسلم لهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لولا الهجرة، لكنت امرأً من الأنصار”. وهذا أقصى درجات التشريف والمحبة.
- علامة الإيمان والنفاق: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار” (متفق عليه). وهذا يجعل حبهم فريضة قلبية.
- تطييب خاطره لهم: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين وقسم الغنائم، وجد بعض الأنصار حزنوا لعدم حصولهم على نصيب كافٍ، فجمعهم وخطب فيهم خطبته التاريخية التي قال فيها: “ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً، لسلكت شعب الأنصار”. فبكى الأنصار حتى اخضلت لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً.
وفي الختام، يظل الأنصار هم رمز الوفاء، ودليل الصدق، ومدرسة الإيثار. لقد كانوا سنداً لرسول الله وحملة للواء الدعوة، وبذلوا الأرواح والأموال ليضيء نور الإسلام أرجاء المعمورة، فرضي الله عنهم وأرضاهم.
إقرأ أيضا:آداب وصفات النبي محمد ﷺ